Hak Baghdad
07-21-2006, 05:05 AM
المندائيون .. الأصول والمعتقدات المؤلف : عزيز سباهي
جهة الاصدار : دار المدى / 2003
عرض:ادب وثقافة
الكتب والدراسات التي تناولت الديانة المندائية قليلة، ومحدودة جداً، الى جانب ما شابها من تباين واختلاف حول اصول الصابئة ومعتقداتها، لمن كتب عنها من المؤرخين المسلمين والمستشرقين، وسواهم من الكتاب المحدثين،
ولعل احدى الصعوبات التي تواجه الباحث ضرورة، المامه باللغة المندائية التي دونت بها كتبهم الدينية وشعائرهم، ويأتي كتاب (اصول الصابئة ) للاستاذ عزيز سباهي، مساهمة جادة تصب لمعالجة وكشف الكثير من الالتباسات، والاسئلة والغموض المحيط بالمسألة المندائية. فرغم كون الصابئة ( طائفة دينية صغيرة، لكنها لعبت دوراً ملحوظاً في تطور الحياة الروحية والفكرية في بلاد مابين النهرين خلال ظهور المسيحية وانتشارها،او بعد ظهور الاسلام ، ولاسيما بعد ازدهار الحضارة العربية الاسلامية ايام العباسيين، ولمعت من بينهم شخصيات علمية أسهمت بشكل وآخر في اعلاء شأن الحضارة العربية الاسلامية، لكنهم بعد تدهور هذه الحضارة والغزو المغولي، ثم الفتح العثماني من بعد وتعرضهم الى اضطهاد في العهود المختلفة، انكمشوا على أنفسهم في القرى المنتشرة عند البطائح الممتدة من جنوب نهر الفرات حتى نهر الكارون في جنوب غرب ايران)..ويشير المؤلف الى ان المسألة المندائية لم تحظ باهتمام مراكز البحث العربية والاسلامية رغم اهميتها في فهم الفكر في المنطقة العربية، في حقبة معينة من الزمن، قبل وبعد ظهور الاسلام، وما صدر من دراسات عنها من العربية لايعدو ان يكون معالجات عامة لاتقدم اجابات جدية للكثرة الكاثرة من الاسئلة المحيرة التي تثيرها هذه المسألة المعقدة ونعني بها البحث في أصولهم واصول معتقداتهم وأفكارهم عامة، لقد كان يمكن ان ينهض بهذه المهمة مثقفو الطائفة ذاتها على حد قوله غير ان هؤلاء المثقفين شأنهم شأن غيرهم من ابناء الطائفة لم يعودوا يفقهون جوهر معتقداتهم ويجهلون اللغة التي دون بها أدبهم الديني.. موضحاً ان عمله ينطوي على الكثير من المتاعب فالميدان حساس جداً، ويضطر من يود ان يدخله بموضوعية ان يسبح مرارا ضد التيار والبحث في المسألة المندائية يتطلب معرفة وافية باللغة المندائية، وكان المؤلف يحس بمرارة وهو المندائي، يتناول الادب الديني لطائفته من خلال ما ترجم الى اللغات الاخرى، لاسيما السريانية والعبرية والاغريقية، وربما كان هذا واحداً من الاسباب التي دفعت الى احجام مراكز البحث الجامعي في بلدان المشرق العربي عن المشرق العربي عن دخول هذا الميدان الشائك من البحث :
في منشأ المندائيين
ألمح في مستهل الفصل الاول (العالم القديم في العهد الهيلنتي) ان المؤلفين المسلمين الذين تناولوا امر الصابئة من مفسرين وفقهاء ومؤرخين وجغرافيين وفلاسفة وغيرهم، امثال القرطبي، ابن خلدون، ابن خلكان، ياقوت الحموي والمسعودي وغيرهم، اعتمدوا على الرواية الشفوية كمصدر اساس في معالجتهم للكثير من القضايا، مما جعلها عرضة للتشوش والتحريف، والاضافة، وما الى ذلك، وان اولئك المؤلفين لم يدققوا فيما يروى ولم يخضعوه للتحقيق والنقد، وتركوا هذه المهمة للقارئ الذي تفصله دهور عن مجرى الاحداث، زد على ذلك انهم لم يتيسر لهم الاطلاع على ادب الصابئة (المندائيين) ذاته ليدققوا فيما يرون.. اما المستشرقون فيؤكد الباحث انهم اولوا اهتماما كبيرا بدراسة معتقدات هذه الطائفة، كان ابرزها ترجمة الكاتب السويدي( نوربيرغ) لـ( الكنزا) الكتاب الرئيس للطائفة عام 1816، وتلاه (ايتنغ) بترجمته لـ( القلستا) وهو كتاب يحتوي طقوس التعميد وغيرها، وفي عام 1875 نشر عالم اللغات السامية الالماني( نول كه) كتابا بقواعد اللغة المندائية، وجاءت الخطوة الحاسمة في إرساء الاسس العلمية الرصينة في دراسة المندائية على يد( ولهلم براندت) في مؤلفة (الدين المندائي) عام 1889، و( ليد زبايسكي) في ترجمة واعداد طبعات نقدية لاهم الكتب المندائية( دراشة ديهيا) 1905 و(الكنزا) 1925، وكتاب الطقوس الدينية 1925. ملفتا الى ان السيدة دراور التي عاشت في العراق ما يناهز الربع قرن قد اهتمت كثيرا بشأن الصابئة، وقد استهوتها اولا دراسة مخلفات الاديان القديمة، ووضعت عنها كتابها (خمر في الماء) لكنها انصرفت من بعد بكليتها لدراسة المندائية فقدمت كتابها (المندائيون في العراق وايران ) 1937.
ثم وضعت بالتعاون مع رودلف ماكوخ (قاموس اللغة المندائية) 1963، مبيناً أن (دراور) ساهمت في ازاحة الكثير من الغموض الذي يلف معتقداتهم والمصادر التي استقت منها، ومضى بقوله الى ان البحوث في منشأ المندائيين ومعتقداتهم قد تمخضت عن نظريتين : الاولى ترى انهم من سلطان مابين النهرين القدماء وانهم ورثوا كثيرا من الميثولوجيا البابلية، وقد تزعم هذا التيار (لاكرايني) الروسي في منتصف القرن التاسع عشر، اما الثانية: فترى ان منشأهم كان في الغرب بين طوائف البحر الميت او في شرق الاردن وقد تزعم هذا الاتجاه(ليدز بارسكي) وهو الاتجاه الذي لاقى اهتماما وقبولا الى حد ما وانضمت اليه( دراور) في ابحاثها الاخيرة .
المندائية والدين البابلي
اكد الباحث في الفصل الثاني أن جذور المعتقدات الصابئية ترتبط بالبابليين، اذ يرى عدد من المؤرخين المسلمين ان الديانة الصابئية برزت في بابل اولاً ويذكر بعضهم اسماء بوصفهم ملوكا بابليين اعتنقوا الدين الصابئي، فيما يذهب ( هنري لايارد) عالم الاثار البريطاني، الى ان الدين الاشوري في ايامه المبكرة (وهو امتداد للدين البابلي) كان صابئي المنحى، لكن المؤلف اشار الى ان المنحى البابلي يراد منه التركيز على دور الكواكب والظواهر الفلكية في تقرير سلوك الانسان على الارض، وبالتالي عبادة هذه الكواكب، الامر الذي دعا بعض الباحثين للبحث عن نقاط الالتقاء والاختلاف مابين الديانتين، ملفتاً الى ان المقارنة بين الديانة البابلية والصابئية ينبغي عندها الانتباه الى التغيرات التي طرأت على المعتقدات الدينية (كما عكستها الكتب الدينية ذاتها) التي لم تتم في اطار حركة معينة قادها مصلح ديني واجتماعي، إنما خضعت هذه التغيرات الى مساحة زمنية، امتدت الى بضعة قرون، من ايام المسيحية الاولى وربما قبلها بقليل حتى الفتح الاسلامي للعراق في القرن السابع التي حدثت في اطار تفاعلات وصراعات عديدة مع المعتقدات المحيطة بها بابلية وفارسية ويهودية وغنوصية ومسيحية واسلامية.. ويذهب الباحث الى ان هذه التغيرات والتحولات الدينية تتم في الوعي الاجتماعي الذي تندرج ضمنه الانفعالات والخيال وحتى الاساليب التعبيرية، لان الدين كما يصفه انجلز: ( يحتفظ دائما باحتياط معين من التخيلات الموروثة عن الازمنة السابقة، لان التقليد في جميع الميادين الفكرية، بوجه عام، هو قوة محافظة كبرى، لكن التغيرات التي تحدث في احتياط التخيلات هذا ، تحددها العلاقات الطبقية، اي العلاقات الاقتصادية التي تقوم بين الناس الذين يقومون بهذه التغيرات ، على ضوء ذلك يرى المؤلف ان الغالبية العظمى للناس الذين كانوا يقطنون جنوب العراق، كانوا من الفلاحين والصيادين والحرفيين البابليين والاراميين والصابئة المندائيين الذين توالت عليهم الحروب والاحتلالات وما كان يقترن بها من نهب واضطهاد وتدمير، اذ بات هؤلاء الناس ينشدون الخلاص في لجة الصراعات المختلفة، ففقدوا الثقة بنيل هذا الخلاص على ارض الواقع وصاروا يبحثون عنه في السماء.. وكان انحياز الصابئة الى مثل هذا النوع من الخلاص ، وعلى هذا النحو صيغت معتقداتهم بشأن الالهة والسماء والارض والخلق والموت، كحال الاديان الاخرى .
طقوس التعميد
في اطار المقارنة للطقوس المندائية ومايماثلها في الديانة البابلية، يذكر الباحث ان كلتا الديانتين تنزلان الماء منزلة عالية، ومن قبلهم السومريون والاكاديون، كانوا يرون في الماء مصدر الحياة، مؤكداً أن الادب المندائي فيه الكثير من الامثلة التي تمجد الماء الحي، وتقرنه بالحياة تارة وبالنور تارة اخرى، ففي معبد الصابئة( المندي) يتجه من يدخل المعبد ( الكوخ) نحو الشمال ، نحو النجم القطبي حيث يتجه المندائيون في صلواتهم، امام حوض من الماء الجاري، وهذا المعبد يذكر على حد قول الباحث بالمعابد البابلية، حيث كان الاله يوضع في كوخ صغير يجلس فيه الكاهن ويلتجئ اليه الناس التماساً للمشورة، اضافة الى التقاء المندائيين بالبابليين في تحريم حلق اللحى وشعر الرأس ولباس التعميد الابيض لدى المندائيين مشابه للباس الابيض الذي كان الكهنة البابليون يرتدونه عندما يؤدون وظائفهم الدينية، فاختيار اللون الابيض لكلتا الديانتين جاء تعبيراً عن الطهارة والنور، فضلا عن تقاليد توريث الكهانة الى الابناء في بابل والوظائف الدينية التي نسج على منوالها المندائيون في اعداد ابنائهم لاداء هذه الوظائف :
مما يؤكد وجود الكثير من نقاط الالتقاء بين الديانتين، التي تدفع الى الاعتقاد بأنهم تلقوا تاثيراتهم من البابليين الذين كانوا يسكنون بجوارهم، الا ان الباحث يثير تساؤلا مهما، ان كان المندائيون قد تأثروا بشكل مباشر بأفكار الجماعات البابلية، او ان يكونوا هم ذاتهم من بقايا البابليين وطوروا معتقداتهم خلال تفاعلهم مع الجماعات اليهودية والفارسية وغيرها التي كانت تعيش بجوارهم، او ان يكونوا جماعة صغيرة هاجرت الى جنوب العراق من الغرب، وهي تحمل فكراً غنوصيا ذا مزايا شرقية خاصة، ليوضح بعد ذلك ان كل هذه التساؤلات واردة، لاننا لانملك من البيانات المادية مايعيننا على القطع بواحد منها .
التأثر بطوائف البحر الميت
وفي الفصل الثالث يعود المؤلف للبحث عن اوجه التماثل مرة اخرى لكن بين الديانة المندائية وطوائف البحر الميت اليهودية، مشيرا الى التقاء المندائيين، وطائفة الاسينيون في النظرة المتشائمة تجاه العالم، حيث يعتبره كلاهما عالما غير طاهر، وتشدد الطائفتان على عدم البوح بتعاليمهم الدينية والتشابه في مسألة التعميد، اضافة الى التقائهما في نظرتهما الثنوية تجاه الظلام والنور والخير والشر، ملفتاً الى أن الاسينيون او طائفة البحر الميت آثرت اعتزال المجتمع اليهودي، زاهدين في مادرج عليه اليهود من حياة، معتبرين انفسهم الممثلين الحقيقين لوصايا موسى وشريعته .
اما المندائية من جانبها فتقف موقفاً معاديا من اليهودية، دون ان يقطع بأنتسابها الى واحدة من هذه الطوائف .
جهة الاصدار : دار المدى / 2003
عرض:ادب وثقافة
الكتب والدراسات التي تناولت الديانة المندائية قليلة، ومحدودة جداً، الى جانب ما شابها من تباين واختلاف حول اصول الصابئة ومعتقداتها، لمن كتب عنها من المؤرخين المسلمين والمستشرقين، وسواهم من الكتاب المحدثين،
ولعل احدى الصعوبات التي تواجه الباحث ضرورة، المامه باللغة المندائية التي دونت بها كتبهم الدينية وشعائرهم، ويأتي كتاب (اصول الصابئة ) للاستاذ عزيز سباهي، مساهمة جادة تصب لمعالجة وكشف الكثير من الالتباسات، والاسئلة والغموض المحيط بالمسألة المندائية. فرغم كون الصابئة ( طائفة دينية صغيرة، لكنها لعبت دوراً ملحوظاً في تطور الحياة الروحية والفكرية في بلاد مابين النهرين خلال ظهور المسيحية وانتشارها،او بعد ظهور الاسلام ، ولاسيما بعد ازدهار الحضارة العربية الاسلامية ايام العباسيين، ولمعت من بينهم شخصيات علمية أسهمت بشكل وآخر في اعلاء شأن الحضارة العربية الاسلامية، لكنهم بعد تدهور هذه الحضارة والغزو المغولي، ثم الفتح العثماني من بعد وتعرضهم الى اضطهاد في العهود المختلفة، انكمشوا على أنفسهم في القرى المنتشرة عند البطائح الممتدة من جنوب نهر الفرات حتى نهر الكارون في جنوب غرب ايران)..ويشير المؤلف الى ان المسألة المندائية لم تحظ باهتمام مراكز البحث العربية والاسلامية رغم اهميتها في فهم الفكر في المنطقة العربية، في حقبة معينة من الزمن، قبل وبعد ظهور الاسلام، وما صدر من دراسات عنها من العربية لايعدو ان يكون معالجات عامة لاتقدم اجابات جدية للكثرة الكاثرة من الاسئلة المحيرة التي تثيرها هذه المسألة المعقدة ونعني بها البحث في أصولهم واصول معتقداتهم وأفكارهم عامة، لقد كان يمكن ان ينهض بهذه المهمة مثقفو الطائفة ذاتها على حد قوله غير ان هؤلاء المثقفين شأنهم شأن غيرهم من ابناء الطائفة لم يعودوا يفقهون جوهر معتقداتهم ويجهلون اللغة التي دون بها أدبهم الديني.. موضحاً ان عمله ينطوي على الكثير من المتاعب فالميدان حساس جداً، ويضطر من يود ان يدخله بموضوعية ان يسبح مرارا ضد التيار والبحث في المسألة المندائية يتطلب معرفة وافية باللغة المندائية، وكان المؤلف يحس بمرارة وهو المندائي، يتناول الادب الديني لطائفته من خلال ما ترجم الى اللغات الاخرى، لاسيما السريانية والعبرية والاغريقية، وربما كان هذا واحداً من الاسباب التي دفعت الى احجام مراكز البحث الجامعي في بلدان المشرق العربي عن المشرق العربي عن دخول هذا الميدان الشائك من البحث :
في منشأ المندائيين
ألمح في مستهل الفصل الاول (العالم القديم في العهد الهيلنتي) ان المؤلفين المسلمين الذين تناولوا امر الصابئة من مفسرين وفقهاء ومؤرخين وجغرافيين وفلاسفة وغيرهم، امثال القرطبي، ابن خلدون، ابن خلكان، ياقوت الحموي والمسعودي وغيرهم، اعتمدوا على الرواية الشفوية كمصدر اساس في معالجتهم للكثير من القضايا، مما جعلها عرضة للتشوش والتحريف، والاضافة، وما الى ذلك، وان اولئك المؤلفين لم يدققوا فيما يروى ولم يخضعوه للتحقيق والنقد، وتركوا هذه المهمة للقارئ الذي تفصله دهور عن مجرى الاحداث، زد على ذلك انهم لم يتيسر لهم الاطلاع على ادب الصابئة (المندائيين) ذاته ليدققوا فيما يرون.. اما المستشرقون فيؤكد الباحث انهم اولوا اهتماما كبيرا بدراسة معتقدات هذه الطائفة، كان ابرزها ترجمة الكاتب السويدي( نوربيرغ) لـ( الكنزا) الكتاب الرئيس للطائفة عام 1816، وتلاه (ايتنغ) بترجمته لـ( القلستا) وهو كتاب يحتوي طقوس التعميد وغيرها، وفي عام 1875 نشر عالم اللغات السامية الالماني( نول كه) كتابا بقواعد اللغة المندائية، وجاءت الخطوة الحاسمة في إرساء الاسس العلمية الرصينة في دراسة المندائية على يد( ولهلم براندت) في مؤلفة (الدين المندائي) عام 1889، و( ليد زبايسكي) في ترجمة واعداد طبعات نقدية لاهم الكتب المندائية( دراشة ديهيا) 1905 و(الكنزا) 1925، وكتاب الطقوس الدينية 1925. ملفتا الى ان السيدة دراور التي عاشت في العراق ما يناهز الربع قرن قد اهتمت كثيرا بشأن الصابئة، وقد استهوتها اولا دراسة مخلفات الاديان القديمة، ووضعت عنها كتابها (خمر في الماء) لكنها انصرفت من بعد بكليتها لدراسة المندائية فقدمت كتابها (المندائيون في العراق وايران ) 1937.
ثم وضعت بالتعاون مع رودلف ماكوخ (قاموس اللغة المندائية) 1963، مبيناً أن (دراور) ساهمت في ازاحة الكثير من الغموض الذي يلف معتقداتهم والمصادر التي استقت منها، ومضى بقوله الى ان البحوث في منشأ المندائيين ومعتقداتهم قد تمخضت عن نظريتين : الاولى ترى انهم من سلطان مابين النهرين القدماء وانهم ورثوا كثيرا من الميثولوجيا البابلية، وقد تزعم هذا التيار (لاكرايني) الروسي في منتصف القرن التاسع عشر، اما الثانية: فترى ان منشأهم كان في الغرب بين طوائف البحر الميت او في شرق الاردن وقد تزعم هذا الاتجاه(ليدز بارسكي) وهو الاتجاه الذي لاقى اهتماما وقبولا الى حد ما وانضمت اليه( دراور) في ابحاثها الاخيرة .
المندائية والدين البابلي
اكد الباحث في الفصل الثاني أن جذور المعتقدات الصابئية ترتبط بالبابليين، اذ يرى عدد من المؤرخين المسلمين ان الديانة الصابئية برزت في بابل اولاً ويذكر بعضهم اسماء بوصفهم ملوكا بابليين اعتنقوا الدين الصابئي، فيما يذهب ( هنري لايارد) عالم الاثار البريطاني، الى ان الدين الاشوري في ايامه المبكرة (وهو امتداد للدين البابلي) كان صابئي المنحى، لكن المؤلف اشار الى ان المنحى البابلي يراد منه التركيز على دور الكواكب والظواهر الفلكية في تقرير سلوك الانسان على الارض، وبالتالي عبادة هذه الكواكب، الامر الذي دعا بعض الباحثين للبحث عن نقاط الالتقاء والاختلاف مابين الديانتين، ملفتاً الى ان المقارنة بين الديانة البابلية والصابئية ينبغي عندها الانتباه الى التغيرات التي طرأت على المعتقدات الدينية (كما عكستها الكتب الدينية ذاتها) التي لم تتم في اطار حركة معينة قادها مصلح ديني واجتماعي، إنما خضعت هذه التغيرات الى مساحة زمنية، امتدت الى بضعة قرون، من ايام المسيحية الاولى وربما قبلها بقليل حتى الفتح الاسلامي للعراق في القرن السابع التي حدثت في اطار تفاعلات وصراعات عديدة مع المعتقدات المحيطة بها بابلية وفارسية ويهودية وغنوصية ومسيحية واسلامية.. ويذهب الباحث الى ان هذه التغيرات والتحولات الدينية تتم في الوعي الاجتماعي الذي تندرج ضمنه الانفعالات والخيال وحتى الاساليب التعبيرية، لان الدين كما يصفه انجلز: ( يحتفظ دائما باحتياط معين من التخيلات الموروثة عن الازمنة السابقة، لان التقليد في جميع الميادين الفكرية، بوجه عام، هو قوة محافظة كبرى، لكن التغيرات التي تحدث في احتياط التخيلات هذا ، تحددها العلاقات الطبقية، اي العلاقات الاقتصادية التي تقوم بين الناس الذين يقومون بهذه التغيرات ، على ضوء ذلك يرى المؤلف ان الغالبية العظمى للناس الذين كانوا يقطنون جنوب العراق، كانوا من الفلاحين والصيادين والحرفيين البابليين والاراميين والصابئة المندائيين الذين توالت عليهم الحروب والاحتلالات وما كان يقترن بها من نهب واضطهاد وتدمير، اذ بات هؤلاء الناس ينشدون الخلاص في لجة الصراعات المختلفة، ففقدوا الثقة بنيل هذا الخلاص على ارض الواقع وصاروا يبحثون عنه في السماء.. وكان انحياز الصابئة الى مثل هذا النوع من الخلاص ، وعلى هذا النحو صيغت معتقداتهم بشأن الالهة والسماء والارض والخلق والموت، كحال الاديان الاخرى .
طقوس التعميد
في اطار المقارنة للطقوس المندائية ومايماثلها في الديانة البابلية، يذكر الباحث ان كلتا الديانتين تنزلان الماء منزلة عالية، ومن قبلهم السومريون والاكاديون، كانوا يرون في الماء مصدر الحياة، مؤكداً أن الادب المندائي فيه الكثير من الامثلة التي تمجد الماء الحي، وتقرنه بالحياة تارة وبالنور تارة اخرى، ففي معبد الصابئة( المندي) يتجه من يدخل المعبد ( الكوخ) نحو الشمال ، نحو النجم القطبي حيث يتجه المندائيون في صلواتهم، امام حوض من الماء الجاري، وهذا المعبد يذكر على حد قول الباحث بالمعابد البابلية، حيث كان الاله يوضع في كوخ صغير يجلس فيه الكاهن ويلتجئ اليه الناس التماساً للمشورة، اضافة الى التقاء المندائيين بالبابليين في تحريم حلق اللحى وشعر الرأس ولباس التعميد الابيض لدى المندائيين مشابه للباس الابيض الذي كان الكهنة البابليون يرتدونه عندما يؤدون وظائفهم الدينية، فاختيار اللون الابيض لكلتا الديانتين جاء تعبيراً عن الطهارة والنور، فضلا عن تقاليد توريث الكهانة الى الابناء في بابل والوظائف الدينية التي نسج على منوالها المندائيون في اعداد ابنائهم لاداء هذه الوظائف :
مما يؤكد وجود الكثير من نقاط الالتقاء بين الديانتين، التي تدفع الى الاعتقاد بأنهم تلقوا تاثيراتهم من البابليين الذين كانوا يسكنون بجوارهم، الا ان الباحث يثير تساؤلا مهما، ان كان المندائيون قد تأثروا بشكل مباشر بأفكار الجماعات البابلية، او ان يكونوا هم ذاتهم من بقايا البابليين وطوروا معتقداتهم خلال تفاعلهم مع الجماعات اليهودية والفارسية وغيرها التي كانت تعيش بجوارهم، او ان يكونوا جماعة صغيرة هاجرت الى جنوب العراق من الغرب، وهي تحمل فكراً غنوصيا ذا مزايا شرقية خاصة، ليوضح بعد ذلك ان كل هذه التساؤلات واردة، لاننا لانملك من البيانات المادية مايعيننا على القطع بواحد منها .
التأثر بطوائف البحر الميت
وفي الفصل الثالث يعود المؤلف للبحث عن اوجه التماثل مرة اخرى لكن بين الديانة المندائية وطوائف البحر الميت اليهودية، مشيرا الى التقاء المندائيين، وطائفة الاسينيون في النظرة المتشائمة تجاه العالم، حيث يعتبره كلاهما عالما غير طاهر، وتشدد الطائفتان على عدم البوح بتعاليمهم الدينية والتشابه في مسألة التعميد، اضافة الى التقائهما في نظرتهما الثنوية تجاه الظلام والنور والخير والشر، ملفتاً الى أن الاسينيون او طائفة البحر الميت آثرت اعتزال المجتمع اليهودي، زاهدين في مادرج عليه اليهود من حياة، معتبرين انفسهم الممثلين الحقيقين لوصايا موسى وشريعته .
اما المندائية من جانبها فتقف موقفاً معاديا من اليهودية، دون ان يقطع بأنتسابها الى واحدة من هذه الطوائف .