خالد حسن المياحي
07-18-2006, 12:26 AM
عملية حزب الله .. رسائل للداخل والخارج
تثير العملية التي قام بها حزب الله ضد إسرائيل ونجح من خلالها في قتل ثمانية جنود إسرائيليين وأسر اثنين، العديد من التساؤلات حول مغزى التوقيت والأهداف المقصودة من ورائها. الدافع المعلن وراء العملية، حسبما أعلنه حزب الله هو مبادلة الأسيرين الإسرائيلييَن «بأسرى لبنانيين وعرب»، بيد أن ثمة دوافع أخرى لا تخطئها العين تقف وراء العملية، وتتداخل فيها العوامل المحلية مع الإقليمية والدولية كي تعطي ما حدث انطباعاً كونياً.
بالنسبة لتوقيت العملية، فهو أمر مقصود يأمل من خلاله حزب الله تخفيف الضغوط الإسرائيلية والدولية عن حكومة حماس والسلطة الفلسطينية بشأن قضية الأسير الإسرائيلي المختطف في غزة، وتحويل الأنظار باتجاه عملية الحزب، وذلك من خلال فتح جبهة جديدة ضد إسرائيل، وفرض مزيد من الضغوط عليها لحلحلة مسألة غزة. كما أنها محاولة ذكية من قبل حزب الله، يحركها هاجس الاستفادة من حال الارتباك التي تسيطر على أداء حكومة إيهود أولمرت، وهو ما قد يسهم في تعميق الخلافات داخلها بشأن كيفية معالجة أزمة الأسرى المختطفين.
عملية «الوعد الصادق»، حسبما أطلق عليها حزب الله، تحمل رسائل عديدة للداخل اللبناني أولا، ثم الخارج العربي والدولي ثانياً. فبالنسبة لرسائلها الداخلية، فقد استهدف حزب الله إسكات العديد من الأصوات، خصوصاً في جبهة الأكثرية النيابية بزعامة سعد الحريري ووليد جنبلاط، التي تطالب بنزع سلاح حزب الله، وهي المسألة التي نالت قسطاً وفيراً من الجدل داخل جلسات الحوار الوطني اللبناني التي امتدت طيلة الشهور الثلاث الماضية.
كما أنها في نفس الوقت حاولت التأكيد مجدداً على أهمية سلاح الحزب في مواجهة أي خروقات إسرائيلية قد تحدث للأراضي اللبنانية، أي تأكيد وظيفة «الردع» التي يقوم بها الحزب لحماية الأمن اللبناني. وهو ما أكده نواب الحزب في مجلس النواب اللبناني، والذين اعتبروا العملية التي قام بها الحزب جزء من وظيفة «الردع» التي يقوم بها الحزب في مواجهة التهديد الإسرائيلي المتوقع للبنان في أي وقت.
أما بالنسبة للخارج فقد حملت العملية العديد من الرسائل، ليس أقلها التأكيد على أن الفلسطينيين لا يقفون وحدهم في مواجهة الصلف الإسرائيلي، ولكن هناك من يدعمهم، ومن بيده توريط إسرائيل في مستنقع خارج حدودها. كما أنها تنطوي على محاولة لخلط الأوراق الإقليمية أمام الطرفين الأميركي والإسرائيلي بهدف تخفيف الضغط الذي يمارسه كلا الطرفين على بعض الدول العربية مثل سوريا والعراق. في نفس الوقت سعى حزب الله لإبراز قدرة «محور الممانعة» المتمثل فيه بالإضافة إلى دمشق وطهران على تعطيل الخطط الإسرائيلية والأميركية التي تستهدف ابتلاع المنطقة وتطويعها حسب مصالحها.
بيد أن الأهم من هذا كله، هو توجيه رسالة قوية للغرب بشكل عام، وللولايات المتحدة بوجه خاص بأن القضية المركزية في منطقة الشرق الأوسط ستظل هي القضية الفلسطينية، وأن أي محاولة لطمس معالم القضية، على غرار ما تفعله إسرائيل، وتعينها عليه الأطراف الغربية، لن تجدي نفعاً، وستعود بالضرر على إسرائيل ذاتها. أي إعادة جميع الأطراف إلى المربع الأول فيما يخص القضية الفلسطينية.
ولعل السؤال الذي يطرح نفسه آنيا هو: إلى أي مدى يمكن أن يتحمل حزب الله ومعه بقية اللبنانيين تبعات ما حدث؟ هنا تبدو وجهات النظر العربية متشرذمة ومتباينة، ويمكن حصرها في رأيين:
الأول: يرى فيما أقدم عليه حزب الله نوعاً من الانتحار الذاتي، ذلك أنه جاء بمبادرة من الحزب وليس رداً على هجوم إسرائيلي مباشر على الأراضي اللبنانية، وهو ما يعني، بالنسبة لأصحاب هذا الرأي، إطلاق يد إسرائيل كي ترد على عملية حزب الله كيفما تشاء على غرار ما حدث طيلة اليومين الماضيين. أي أن الحزب، حسب هذا الرأي، قد أعطى سكيناً لإسرائيل، ومن خلفها المجتمع الدولي، كي تذبحه بها، وذلك حين أقدم على اختراق الحدود بينها وبين لبنان وقام بعمليته النوعية هناك.
أما الرأي الثاني، فهو الذي يرى في عملية حزب الله إحياء لروح المقاومة في الجسد العربي الهزيل، ومحاولة لمساعدة الفلسطينيين في مأزقهم مع إسرائيل، وتخفيف الضغط المتواصل عنهم عبر فتح جبهة جديدة ضد إسرائيل.
ويبني أنصار هذا الرأي حججهم على أن عملية حزب الله لن تعطل مسيرة المفاوضات مع إسرائيل، التي هي متوقفة، إن لم تكن ميتة أصلاً. وبالتالي فلا ضير في إرهاق إسرائيل وتفنيد مفاهيمها الكاذبة بشأن الأمن والتفوق العسكري. ويبرر أصحاب هذا الرأي موقفهم بالموقف العربي الضعيف في مواجهة الصلف الإسرائيلي ضد الفلسطينيين، وكأن عملية حزب الله قد نكأت بعضاً من الجراح العربية والفلسطينية الغائرة.
وبغض النظر عن هذا الرأي أو ذاك، تبقى الوقائع على الأرض هي خير دليل على مدى صواب عملية حزب الله من عدمه، وهذه الوقائع تشير إلى ما يلي:
- هناك جمود تام لعملية السلام في المنطقة، وهي التي أُجهضت على أيدي رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق آرييل شارون.
- هناك شعب يتعرض للإبادة على أيدي الإسرائيليين هو الشعب الفلسطيني.
- هناك استخفاف إسرائيلي تام بأي موقف عربي تجاه ما يتعرض له الفلسطينيون.
- هناك استخفاف إسرائيلي تام بأي مقاومة عربية أو فلسطينية يمكنها إثناء إسرائيل عن مخططاتها للحل المنفرد ضد إرادة الفلسطينيين.
- هناك مجتمع دولي لا يكترث لمعاناة شعب بأكمله في حين ينتفض لأسر ثلاثة جنود إسرائيليين.
في ظل كل هذه الوقائع، ما هي الخيارات المتوقعة للتعاطي مع الموقف الراهن؟ سؤال أجاب عليه حزب الله ولكن بطريقته الخاصة، ويكفي أنه أجاب.
خالد حسن المياحي
تثير العملية التي قام بها حزب الله ضد إسرائيل ونجح من خلالها في قتل ثمانية جنود إسرائيليين وأسر اثنين، العديد من التساؤلات حول مغزى التوقيت والأهداف المقصودة من ورائها. الدافع المعلن وراء العملية، حسبما أعلنه حزب الله هو مبادلة الأسيرين الإسرائيلييَن «بأسرى لبنانيين وعرب»، بيد أن ثمة دوافع أخرى لا تخطئها العين تقف وراء العملية، وتتداخل فيها العوامل المحلية مع الإقليمية والدولية كي تعطي ما حدث انطباعاً كونياً.
بالنسبة لتوقيت العملية، فهو أمر مقصود يأمل من خلاله حزب الله تخفيف الضغوط الإسرائيلية والدولية عن حكومة حماس والسلطة الفلسطينية بشأن قضية الأسير الإسرائيلي المختطف في غزة، وتحويل الأنظار باتجاه عملية الحزب، وذلك من خلال فتح جبهة جديدة ضد إسرائيل، وفرض مزيد من الضغوط عليها لحلحلة مسألة غزة. كما أنها محاولة ذكية من قبل حزب الله، يحركها هاجس الاستفادة من حال الارتباك التي تسيطر على أداء حكومة إيهود أولمرت، وهو ما قد يسهم في تعميق الخلافات داخلها بشأن كيفية معالجة أزمة الأسرى المختطفين.
عملية «الوعد الصادق»، حسبما أطلق عليها حزب الله، تحمل رسائل عديدة للداخل اللبناني أولا، ثم الخارج العربي والدولي ثانياً. فبالنسبة لرسائلها الداخلية، فقد استهدف حزب الله إسكات العديد من الأصوات، خصوصاً في جبهة الأكثرية النيابية بزعامة سعد الحريري ووليد جنبلاط، التي تطالب بنزع سلاح حزب الله، وهي المسألة التي نالت قسطاً وفيراً من الجدل داخل جلسات الحوار الوطني اللبناني التي امتدت طيلة الشهور الثلاث الماضية.
كما أنها في نفس الوقت حاولت التأكيد مجدداً على أهمية سلاح الحزب في مواجهة أي خروقات إسرائيلية قد تحدث للأراضي اللبنانية، أي تأكيد وظيفة «الردع» التي يقوم بها الحزب لحماية الأمن اللبناني. وهو ما أكده نواب الحزب في مجلس النواب اللبناني، والذين اعتبروا العملية التي قام بها الحزب جزء من وظيفة «الردع» التي يقوم بها الحزب في مواجهة التهديد الإسرائيلي المتوقع للبنان في أي وقت.
أما بالنسبة للخارج فقد حملت العملية العديد من الرسائل، ليس أقلها التأكيد على أن الفلسطينيين لا يقفون وحدهم في مواجهة الصلف الإسرائيلي، ولكن هناك من يدعمهم، ومن بيده توريط إسرائيل في مستنقع خارج حدودها. كما أنها تنطوي على محاولة لخلط الأوراق الإقليمية أمام الطرفين الأميركي والإسرائيلي بهدف تخفيف الضغط الذي يمارسه كلا الطرفين على بعض الدول العربية مثل سوريا والعراق. في نفس الوقت سعى حزب الله لإبراز قدرة «محور الممانعة» المتمثل فيه بالإضافة إلى دمشق وطهران على تعطيل الخطط الإسرائيلية والأميركية التي تستهدف ابتلاع المنطقة وتطويعها حسب مصالحها.
بيد أن الأهم من هذا كله، هو توجيه رسالة قوية للغرب بشكل عام، وللولايات المتحدة بوجه خاص بأن القضية المركزية في منطقة الشرق الأوسط ستظل هي القضية الفلسطينية، وأن أي محاولة لطمس معالم القضية، على غرار ما تفعله إسرائيل، وتعينها عليه الأطراف الغربية، لن تجدي نفعاً، وستعود بالضرر على إسرائيل ذاتها. أي إعادة جميع الأطراف إلى المربع الأول فيما يخص القضية الفلسطينية.
ولعل السؤال الذي يطرح نفسه آنيا هو: إلى أي مدى يمكن أن يتحمل حزب الله ومعه بقية اللبنانيين تبعات ما حدث؟ هنا تبدو وجهات النظر العربية متشرذمة ومتباينة، ويمكن حصرها في رأيين:
الأول: يرى فيما أقدم عليه حزب الله نوعاً من الانتحار الذاتي، ذلك أنه جاء بمبادرة من الحزب وليس رداً على هجوم إسرائيلي مباشر على الأراضي اللبنانية، وهو ما يعني، بالنسبة لأصحاب هذا الرأي، إطلاق يد إسرائيل كي ترد على عملية حزب الله كيفما تشاء على غرار ما حدث طيلة اليومين الماضيين. أي أن الحزب، حسب هذا الرأي، قد أعطى سكيناً لإسرائيل، ومن خلفها المجتمع الدولي، كي تذبحه بها، وذلك حين أقدم على اختراق الحدود بينها وبين لبنان وقام بعمليته النوعية هناك.
أما الرأي الثاني، فهو الذي يرى في عملية حزب الله إحياء لروح المقاومة في الجسد العربي الهزيل، ومحاولة لمساعدة الفلسطينيين في مأزقهم مع إسرائيل، وتخفيف الضغط المتواصل عنهم عبر فتح جبهة جديدة ضد إسرائيل.
ويبني أنصار هذا الرأي حججهم على أن عملية حزب الله لن تعطل مسيرة المفاوضات مع إسرائيل، التي هي متوقفة، إن لم تكن ميتة أصلاً. وبالتالي فلا ضير في إرهاق إسرائيل وتفنيد مفاهيمها الكاذبة بشأن الأمن والتفوق العسكري. ويبرر أصحاب هذا الرأي موقفهم بالموقف العربي الضعيف في مواجهة الصلف الإسرائيلي ضد الفلسطينيين، وكأن عملية حزب الله قد نكأت بعضاً من الجراح العربية والفلسطينية الغائرة.
وبغض النظر عن هذا الرأي أو ذاك، تبقى الوقائع على الأرض هي خير دليل على مدى صواب عملية حزب الله من عدمه، وهذه الوقائع تشير إلى ما يلي:
- هناك جمود تام لعملية السلام في المنطقة، وهي التي أُجهضت على أيدي رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق آرييل شارون.
- هناك شعب يتعرض للإبادة على أيدي الإسرائيليين هو الشعب الفلسطيني.
- هناك استخفاف إسرائيلي تام بأي موقف عربي تجاه ما يتعرض له الفلسطينيون.
- هناك استخفاف إسرائيلي تام بأي مقاومة عربية أو فلسطينية يمكنها إثناء إسرائيل عن مخططاتها للحل المنفرد ضد إرادة الفلسطينيين.
- هناك مجتمع دولي لا يكترث لمعاناة شعب بأكمله في حين ينتفض لأسر ثلاثة جنود إسرائيليين.
في ظل كل هذه الوقائع، ما هي الخيارات المتوقعة للتعاطي مع الموقف الراهن؟ سؤال أجاب عليه حزب الله ولكن بطريقته الخاصة، ويكفي أنه أجاب.
خالد حسن المياحي